محمد جمال الدين القاسمي

492

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه ويبصر الأدب مع السلف مع المخارج العلمية لهم . وهاك ما قاله ابن جرير رحمه اللّه ( بعد ما نقل عن مجاهد قوله المتقدم ) . وأولى القولين بالصواب ، ما صح به الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه مقام الشفاعة - ثم قال - وهذا وإن كان هو الصحيح في القول ، في تأويل المقام المحمود ، لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والتابعين . فإن ما قاله مجاهد من أن اللّه يقعد محمدا صلى اللّه عليه وسلم على عرشه ، قوله غير مدفوع صحته . لا من جهة خبر ولا نظر . وذلك لأنه لا خبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه ، ولا عن التابعين ، بإحالة ذلك . فأما من جهة النظر فإن جميع من ينتحل الإسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك على أوجه ثلاثة : فقالت فرقة منهم : اللّه عزّ وجلّ بائن من خلقه ، كان قبل خلقه الأشياء ، ثم خلق الأشياء فلم يماسّها ، وهو كما لم يزل ، غير أن الأشياء التي خلقها ، إذا لم يكن هو لها مماسّا ، وجب أن يكون لها مباينا . إذ لا فعّال للأشياء إلا وهو مماس للأجسام أو مباين لها ، قالوا : فإذ كان ذلك كذلك ، وكان اللّه عزّ وجلّ فاعل الأشياء ، ولم يجز في قولهم إنه يوصف بأنه مماس للأشياء ، وجب بزعمهم أنه لها مباين - فعلى مذهب هؤلاء سواء أقعد محمدا صلى اللّه عليه وسلم على عرشه أو على الأرض ( إذ كان من قولهم إن بينونته من عرشه وبينونته من أرضه بمعنى واحد . في أنه بائن منهما كليهما غير مماس لواحد منهما ) وقالت فرقة أخرى : كان اللّه تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه ، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته وهو كما لم يزل قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه . فعلى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا صلى اللّه عليه وسلم على عرشه أو على أرضه ( إذ كان سواء على قولهم . عرشه وأرضه ، في أنه لا مماس ولا مباين لهذا ، كما أنه لا مماس ولا مباين لهذه ) . وقالت فرقة أخرى : كان اللّه عزّ ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه ثم أحدث الأشياء وخلقها ، فخلق لنفسه عرشا استوى عليه جالسا وصار له مماسّا ، كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا ولا شيء يحرمه ذلك . ثم خلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا وأعطى هذا ومنع هذا . قالوا : فكذلك كان قبل خلقه الأشياء ، لا شيء يماسه ولا يباينه . وخلق الأشياء فماسّ العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه فهو مماسّ ما شاء من خلقه ومباين ما شاء منه . فعلى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا على عرشه أو أقعده على منبر من نور ، إذ كان من قولهم : أن جلوس الرب على عرشه ليس بجلوس يشغل جميع العرش ولا في إقعاد محمد صلى اللّه عليه وسلم